عبد الملك الجويني
186
نهاية المطلب في دراية المذهب
وإنما هي عدول عن جنس الجناية ، فإذا كنا نعدل ، فضرب الرقبة أولى . وإن كان الجرح بحيث لا يتعلق القصاص به لو اندمل [ كالجائفة ] ( 1 ) ، فهل نجيف الجاني كما أجاف ؟ في المسألة قولان : أحد القولين - نجيفه جرياناً على المماثلة ، كما نقتله بالضرب والشدخ . والثاني - لا نفعل ذلك ؛ فإن الجوائف لا يُضبط مبالغ الإيذاء فيها ، وليست موحيةً ، بخلاف الإغراق والإحراق والخنق والضربات التي ترد على الظاهر ، [ فهي ] ( 2 ) مضبوطة أو قريبة من الضبط . فلينظر الناظر في الإيحاء أو في ظهور الأسباب ، فإن قلنا : لا نجيف الجاني ، فلا كلام ، وإن قلنا : نجيفه ، فالأصح أنا لا نزيد من جنس الجوائف ، كما لا نقطع الرجلين بعد قطع اليدين ؛ فإن الجوائف مختلفة الأجناس ، إذا اختلفت محالها . وأبعد بعضُ أصحابنا ، فخرَّج التمادي على الإجافة على الخلاف ، قياساً على الضربات ، وقال : إذا جرت المماثلة في الأصل ، لم يبعد جريان الخلاف في الزيادة ، وهذا يرد عليه قطع الأطراف . فهذا منتهى المراد . وقد ذكرنا قتلَ الطفل بالضربة والجاني أيّدٌ ، وأجرينا فيه ما ينبغي ، فلا نعيده . 10450 - ومن تمام القول في ذلك أن من قطع يديْ رجل ، فمات ، فقطعنا اليدين من الجاني ، فلو قال : أمهلوني مدة بقاء المجني عليه ، فلعلي أموت بهذا القطع ، وهذا هو المماثلة ، لم نُجبه إلى ذلك ، وقتلناه بالسيف ؛ لأن حق القصاص ناجز ، واليد المقطوعة مقصودة بالقصاص ، ولو أراد ولي القصاص أن يُمهل الجاني ، فقال : ادعوني واقتلوني واعطفوا عني ( 3 ) ، لم يكن له ذلك ، والأمر إلى مستحق القصاص . والله أعلم . وقد أتينا على القتل بالأسباب السارية . وهو أحد قسمي الكلام .
--> ( 1 ) في الأصل : " بالجائفة " . ( 2 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 3 ) كذا تماماً ، والجمل الثلاث معناها واضح . فهو يقول : اطلبوني للقتل ، واقتلوني ، وميلوا عني ، وأريحوني من وجوهكم .